كتب الدكتور وليد الماجد اهداء في مقدمة كتابه ” صناعة التشريع ” : ( إلى أولئك الذين أعياهم الظلم و تسربت إلى قلوبهم مشاعر اليأس والشك) . وبنفس هذه الرسالة رأينا لافتات ترفع من حين لآخر في اعتصامات مختلفة ” اليأس خيانة” .

اليأس قد يكون أقسى من التخويف و إرهاب الدولة .بسبب اليأس  يقف الشخص ويستسلم ويصل لمرحلة اللاجدوى السؤال ” ثم ماذا ؟” الذي يتبادر من حين لآخر , الخاطر الذي يمر من أنا في هذا العالم !وهل أقوى على كل هذا الظلم !

للتخلص من هذا الصوت ولاستعادة الأمل لابد من صوت يهتف– لست وحدك- . مع أن كل شيء حولك يوحي أنك وحدك ممتعض , وأن الجميع و كل الأمور على ما يرام هذا ما يكرره الإعلام الرسمي على مدار اليوم و كل العوامل توهمك بأنه ليس لك شيء في هذا العالم فانبطح واستهلك ما تنتجه مصانعنا سيحجب عنك إعلام الحكومات كل شيء إلا إعلانات السلع . حتى المحيطين بك يتآمرون عليك مرة يسخرون , ومرة يشككون بالنوايا .

لبقاء روح التمرد والثورة أو لن نقول التمرد والثورة فهي ليست مطلوبة لذاتها أي أننا لا نتمرد حباً في التمرد لكن لبقاء حالة الاستياء من الظلم حتى لا يكون الصمت عن الجريمة عادي حتى لا يكون الفساد عادي هناك وقود للصمود للاستمرار في رفض الظلم هناك ما ينعش الذاكرة بأن هناك من قاوم من على الأقل وقف وقال : لا.

في كتاب حمد العيسى ” قصص لا ترويها هوليود ” سرد لبعض هذه المواقف الجميل أنها ليست من سير مناضلين ورجال سياسة , هي مواقف بسيطة عبر عنها أصحابها كلٌ في مجاله كان يقاوم مثلاً ذكر موقف الموسيقار السنباطي حين كان يعزف على المسرح ودخل رئيس الوزراء اسماعيل صدقي باشا وكان معروف بوقوفه بجانب الإنجليز ضد الشعب والاستقلال فقطع السنباطي عزفه وغادر وهو يتمتم ” ده كلام … أعزف للراجل ده ..” ودفع السنباطي الثمن بهجوم الصحافة الحكومية عليه وعدم تعاون شركات الاسطوانات معه .ورفض الروائي المصري صنع الله ابراهيم جائزة ملتقى القاهرة للإبداع لأنها في رأيه ممنوحه من نظام شمولي واستبدادي يقيم علاقات مع اسرائيل , وكذلك موقف الأديب الإسباني خوان غويتيسولو الذي رفض جائزة القذافي العالمية للأدب لأنها تحمل أسم حاكم مستبد . وذكر سامي شرف المعتقل السياسي بعهد أنور السادات في كتاب ( مذكرات سجين سياسي) أن السادات أمر بإعدامه هو وشعراوي جمعة وعلي صبري لكن المستشار بدوي حمودة رفض أن ينزل بهم هذا الحكم وهدد بالانتحار وقال بالنص : ” لو أجبرت على الحكم عليهم بالإعدام سأرمي نفسي من كبري قصر النيل ” وعلى خلفية ذلك تم الاتفاق على أن يعُلن عن الحكم أنه إعدام ثم يُخفف إلى مؤبد . في كل الحروب غير العادلة كان هناك جنود رفضوا إطلاق النار رفضوا خوض حرب ظالمه قد لا تخلد أسمائهم ولا نعرفهم لكن دائماً هناك من يقول : لا.

وإذا كنا نشعر في السعودية بإحباط أكبر لأن الإعلام الرسمي والنخب تكرس في نفوسنا فكرة أننا شعب له خصوصية وأن المحتج ناكر للجميل الأغلبية تخشى التغيير نستشعر دائماً عبارة عبدالله القصيمي : ” أقسى العذاب أن توهب عقلا محتجا في مجتمع غير محتج” . الشعوب تنظر لنا أننا مجرد نفط ومال نعم نحن نفط ومال ولكن لدينا أبطال غيبهم الإعلام الرسمي حتى اعتقدنا أننا بلا تاريخ , لدينا موروث من الاحتجاج في وجه الظلم ,وأصدق ما يعبر عن وضعنا بيت فاروق جويدة ” من قال أن النفط أغلى من دم أخي ..” نعم النفط لم يكن أغلى من دم أخي قالها محمد الهوشان عندما كتب عام 54م مقال بعنوان ” دجال من وراء الأطلسي ” كان ينتقد زيارة كاتب يهودي صهيوني لشركة أرامكو كتب الهوشان هذا المقال في وسط مجتمع غير قارئ, كتبه وهو يعلم أنه قد يسجن دون أن يعلم عنه أحد . وعبدالله الطريقي أول وزير للنفط في السعودية عندما علم بحصة تستقطع لشخيصة كامل أدهم من أرباح النفط طالب بإلغائها وضمها لحصة الدولة لأنها غير شرعية قال : ( لا) في وجه الملك فيصل أبطش الملوك في التعامل مع خصومه . عندما تدخلت السعودية في اليمن عام 1962 م بعد ثورة اليمن شعر البعض بأن هذا شأن داخلي محض وتدخل المملكة ليس إلا إهدار لثروتها بلا فائدة كتب أحد المعارضين للملك : “دع اليمن وشأنه ” , واستقال كثير من الوزراء وخرجوا من البلد . هذا  بعض ما حدث سابقاً  وسيحدث الآن و غداً ولن تذكره الروايات الرسمية .

ولن يتبقى لنا ليروي تلك القصص إلا ذاكرة من بقي من اصدقاء هؤلاء الذين لا نعرفهم .

بعد أن نقرأ كل هذه القصص والتضحيات يحق لنا أن نقول لسنا دروايش لكن ” اليأس خيانة” .